ليست الصينية ولا اليابانية.. ما أصعب لغة في العالم؟
تركيا اليوم -

ُعد لغة نافاهو (Navajo)، التي يعرفها أبناؤها باسم «ديني بيزاد» (Diné Bizaad)، من اللغات التي تلفت اهتمام علماء اللغة بسبب تعقيد نظامها الصوتي وبنيتها النحوية شديدة الخصوصية.

ولا ترتبط صعوبة هذه اللغة بمجرد كثرة المفردات أو صعوبة النطق، بل تمتد إلى طريقة بناء الكلمات والجمل وتصنيف الأشياء والتعبير عن الأفعال، ما يجعل تعلمها تجربة مختلفة تمامًا عن تعلم كثير من اللغات الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، تتجاوز أهمية نافاهو الجانب اللغوي، فهي جزء أساسي من هوية شعب النافاهو وثقافته، وتحمل في مفرداتها وقواعدها تصورات خاصة للعالم والعلاقة بين الإنسان والطبيعة والأشياء من حوله.

أصوات ونبرات يمكن أن تغير المعنى

يواجه متعلمو نافاهو منذ البداية نظامًا صوتيًا معقدًا، إذ تعتمد اللغة على اختلافات في النبرة يمكن أن تؤثر في معنى الكلمات.

وتستخدم اللغة أنماطًا مختلفة من النبر، من بينها النبرة المرتفعة والمنخفضة والصاعدة والهابطة، إلى جانب مجموعة واسعة من الأصوات الساكنة والمتحركة، بما في ذلك أصوات أنفية وأخرى مزماريّة.

وهذا يجعل نطق الكلمات تحديًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين اعتادوا أنظمة صوتية مختلفة، خصوصًا المتحدثين باللغات الأوروبية.

لذلك لا يكفي حفظ المفردات عند تعلم نافاهو، بل يحتاج المتعلم إلى التدريب على إنتاج أصوات ونبرات قد لا تكون موجودة بالطريقة نفسها في لغته الأم.

كلمة واحدة قد تحمل معنى جملة

من أكثر خصائص نافاهو إثارة للاهتمام طبيعتها متعددة التركيب، إذ يمكن أن تجمع الكلمة الواحدة عددًا من العناصر اللغوية التي تنقل معلومات كثيرة، وقد تؤدي في بعض السياقات وظيفة تعادل معنى جملة كاملة في لغات أخرى.

وتظهر هذه الخصوصية بوضوح في نظام الأفعال، الذي لا يعتمد دائمًا على فعل عام للتعبير عن حدث معين، وإنما يمكن أن تختلف الصيغة المستخدمة وفق طبيعة الشيء المرتبط بالفعل.

فطريقة التعبير عن التعامل مع جسم مستدير، على سبيل المثال، قد تختلف عن طريقة التعبير عن جسم طويل وصلب أو جسم مرن.

ولا تتوقف التفاصيل عند هذا الحد، إذ يسمح نظام الأفعال بالتعبير عن خصائص مرتبطة بالفعل، مثل طبيعته وتكراره واعتياديته، ما يمنح اللغة قدرة كبيرة على وصف الأحداث بدقة.

اللغة تعكس طريقة مختلفة في تصنيف العالم

خصوصية نافاهو لا تقتصر على الأصوات والقواعد، بل تمتد إلى الطريقة التي تصنف بها الأشياء وتبني بها المعاني.

ومن المفاهيم المهمة في بنية اللغة تصنيف الأشياء وفق درجة «الحيوية»، وهي منظومة لغوية ترتبط بالتمييز بين البشر والحيوانات وغيرها من الكائنات والأشياء.

وتعكس هذه الخصائص جانبًا من الثقافة التي نشأت فيها اللغة، ولذلك فإن تعلم نافاهو لا يعني حفظ قواعد ومفردات جديدة فقط، وإنما يفتح الباب أمام طريقة مختلفة في تنظيم المعلومات والتعبير عن الواقع.

لغة تواجه تحديات الحفاظ عليها

وعلى الرغم من أهميتها الثقافية والتاريخية، تواجه لغة نافاهو تحديات مرتبطة بتراجع استخدامها أمام انتشار اللغة الإنجليزية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت في انتقالها بين الأجيال.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد أفراد شعب النافاهو يصل إلى نحو 300 ألف شخص، بينما يقل عدد المتحدثين باللغة بطلاقة عن عدد أفراد المجتمع ككل.

وفي مواجهة هذه التحديات، ظهرت مبادرات متعددة للحفاظ على اللغة، من بينها مدارس تعتمد أسلوب الانغماس اللغوي، وبرامج تعليمية، وتطبيقات رقمية، ومبادرات جامعية تهدف إلى تشجيع الأجيال الجديدة على تعلم «ديني بيزاد» واستخدامها.

نافاهو في الحرب العالمية الثانية

لا تقتصر أهمية اللغة على الجانب الثقافي، إذ ارتبطت نافاهو أيضًا بحدث بارز في التاريخ العسكري الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية.

فقد شارك متحدثون من شعب النافاهو في برنامج «متحدثي الشيفرة النافاهو» (Navajo Code Talkers)، حيث استُخدمت اللغة في الاتصالات العسكرية الأمريكية ضمن نظام اتصالات صُمم للمساعدة في حماية المعلومات العسكرية من التنصت.

وأصبح هؤلاء المتحدثون جزءًا معروفًا من تاريخ الحرب العالمية الثانية، كما ساهمت تجربتهم في تسليط الضوء على اللغة وشعب النافاهو خارج مجتمعات السكان الأصليين.

من هم شعب النافاهو؟

النافاهو هم أحد شعوب السكان الأصليين في الولايات المتحدة، ويتركز وجودهم التاريخي في جنوب غرب البلاد، خصوصًا في مناطق من أريزونا ونيو مكسيكو ويوتا.

وتنتمي لغة نافاهو إلى لغات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، وتتميز بنظام لغوي معقد من حيث الأصوات والقواعد وبناء الكلمات.

وبفضل تاريخها وثقافتها وارتباطها بهوية شعب بأكمله، أصبحت نافاهو أكثر من مجرد لغة ذات قواعد صعبة؛ فهي جزء من ذاكرة ثقافية حية، يرتبط الحفاظ عليها بالحفاظ على جانب مهم من تراث شعب النافاهو ونقله إلى الأجيال القادمة.

لغة صعبة.. وإرث ثقافي حي

قد يكون من الصعب تحديد «أصعب لغة في العالم» بصورة موضوعية، لأن صعوبة تعلم أي لغة تختلف بحسب اللغة الأم للمتعلم وخبرته اللغوية والوقت الذي يخصصه للتعلم.

لكن نافاهو تظل مثالًا لافتًا على مدى التنوع الموجود بين لغات العالم، فهي تجمع بين نظام صوتي مميز، وبنية نحوية معقدة، ونظام أفعال غني، وارتباط وثيق بثقافة وتاريخ المجتمع الذي يتحدث بها.

ولهذا فإن دراسة نافاهو لا تكشف فقط عن لغة مختلفة، بل عن عالم ثقافي كامل محفوظ داخل الكلمات والأصوات والقواعد



إقرأ المزيد