"الطبّ، الفلسفة، الصحّة": يومان بحثيان في تلمسان
العربي الجديد -

أبو القاسم الزهراوي يتفحّص مرضاه، في عمل لـ لويه فيغييه يعود إلى القرن 19 (Getty)

لم تكن صدفةً محضة أن يجمع عددٌ من رموز الفلسفة العربية الوسيطة بين الاشتغال الفكري من ناحية، وبين ممارسات الطبّ (ومجالات علِمية وعَملية في بعض الأحيان) من ناحية أُخرى. ولعلّ المتفحّص في فلسفة ابن سينا، مثلاً، يقف على الأهمّية التي كان يمثّلها الجمع بين هذين الحقلين، حيث غذّت معرفته الطبّية وخبرته في خصائص الجسد وأمراضه نظرتَه الفلسفية، إن كان على المستوى الميتافيزيقي أو حتى في رؤاه الأخلاقية والسياسية.

وإذا كان الجمع بين الممارستين بات أمراً نادراً منذ قرون، إلّا أن الفلسفة عادت، منذ القرن الماضي، للاهتمام بالممارسة الطبّية و"خطابها"، لما لهما من تأثير بالغ في التكوين الاجتماعي والفردي، ولِما يلعبه الطبّ من موقع ذي سُلطة في مجتمعاتنا المعاصرة، وهو ما يمكن العثور عليه في اشتغالات العديد من المفكّرين الأوروبيين المعاصرين، وعلى رأسهم الفرنسيين جورج كانغيلم وميشيل فوكو.

منذ اليوم الإثنين وحتى مساء الغد، يستضيف قسم الفلسفة بكلّية العلوم الإنسانية والاجتماعية في "جامعة تلمسان" الجزائرية، فعاليات الملتقى الدولي "الطبّ، الفلسفة، الصحّة"، بمشاركة أكاديميين وباحثين في فلسفة الطب أو الفلسفة بشكل عام، وأنثروبولوجيا الصحّة، إضافة إلى الأطباء والمختصّين النفسيّين.

ويتضمّن برنامج الملتقى عشر جلسات وورش تُقام خمسٌ منها اليوم، ويناقش المشاركون فيها خمسة محاور، هي: "الطب والصحة: تأمّلات تاريخو ـ فلسفية"، و"الطب والصحّة: إمكان القول الفلسفي المعاصر"، و"الطبيب المسلم وحرفة العلاج"، و"الممارسة العلاجية والبيوايتيقا"، و"الفلسفة باعتبارها علاجاً روحياً".

أمّا جلسات الغد، فتبحث في "الطب وتدبير الشأن العلاجي"، و"الأفق السوسيو ـ ثقافي للمارسة العلاجية"، و"الطب وأزمة الأنسنة"، و"الصحّة وإبيستيمولوجيا الطب"، و"الأبعاد السيكو ـ أنثروبولوجية للصحّة".  

وإضافة إلى تعدُّد جنسيات (الجزائر، تونس، فرنسا...) وحقول عمل الباحثين المشاركين، وكذلك تعدُّد أجيالهم (بين أساتذة وطلّاب دكتوراه)، فإن عناوين المداخلات تفتح الباب على قوس تاريخي وجغرافي واسع، يمتدّ من ابن رشد (يتناول اليوم الباحث شيخ أمحمد، خلال الورشة الأولى، بورقته "ابن رشيد، فيلسوف الطب التطبيقي") إلى أبقراط وجالينوس (اللذين تبحث الباحثة ماني سعادة نادية، خلال الورشة الأولى أيضاً، في فلسفة الطب لديهما)، إلى "ممارسة الطب والفلسفة في الأندلس" (وهو عنوان مداخلة الباحث درقام نادية، في ثالث جلسات اليوم)، وصولاً إلى نيتشه (ورقة "النشوة الروحية كعلاج نفسي: جورج باتاي قارئاً نيتشه" للباحثة فرح بويكن) وفلاسفة فرنسيين معاصرين مثل ميشيل فوكو وجيل دولوز وميشيل هنري، الذين تتركّز حولهم أغالب مداخلات الورشة الثانية من ورشات اليوم.



إقرأ المزيد