غابرييل غارسيا ماركيز: في أخْذ الصحافة على محمل الجدّ
العربي الجديد -

في حواره مع مجلة "ذي باريس ريفيو" (1958)، يقول الروائي الأميركي إرنست همينغواي إن الصحافة قد تتحوّل، عند حدٍّ معيّن، إلى عاملٍ يؤدّي إلى تدمير مسيرة الكاتب. قال صاحب "الشيخ البحر" هذا الكلام قبل وضعه حدّاً لحياته بثلاثة أعوام، وبعد سنوات طويلة من مزاولة العمل الصحافي بشكل متقطّع، ولا سيّما كمراسل حرب.

لكنّ همينغواي لا يبدو في تناقُض مع نفسه حين يقول هذا الكلام؛ إذ إن سنوات عمله الصحافي لم تحُل يوماً دون انهماكه بأدبه، الذي كان يستحوذ على الأولوية بالنسبة إليه، وهو ربما ما يقصده بتعبيره "عند حدّ معيّن"، أي إلى ذلك الحد الذي لا يتحوّل فيه العمل الصحافي إلى شاغلٍ يأخذ من الكاتب كلّ وقته وتفكيره.

لم يكن الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز متّفقاً تماماً مع همينغواي في ما يخصّ علاقة الكاتب بالصحافة، حيث ظلّ يمارس عمله مراسلاً، دون انقطاع، طيلة عقود، وهو ما نقف عليه في كتاب مختارات من مقالاته صدر بعد رحيله (1927 ــ 2014) بالإسبانية والإنكليزية، وها هي ترجمته الفرنسية قد صدرت قبل أيام لدى منشورات "غراسيه" في باريس تحت عنوان "فضيحة القرن".

يشمل العمل خمسين نصّاً وتقريراً صحافياً نشرها حائز "نوبل للأدب" (1982) في النصف الأوّل من مسيرته، أي بين نهاية الأربعينيات ومنتصف الثمانينيات، حيث تنتمي النصوص إلى الفترة التي عمل فيها مراسلاً لصحف كولومبية مثل "إل يونيفيرسال" و"إل هيرالدو" أو "إل سبيكتادور". وقد غطّى "غابو"، لهذه الصحف، مواضيع من داخل بلاده أو خارجها، حيث كتب تقارير حول وصول فيدل كاسترو إلى الحُكم في كوبا، وأُخرى من باريس وروما وغيرهما.

وظلّت النظرة الأدبية تغذّي عمل ماركيز الصحافي، حيث تُعطي لغته وأساليبه السردية بُعداً خاصّاً لتقاريره، التي تصبح قريبة من العمل الأدبي، رغم ما فيها من مادة إخبارية وآنية، وهو ما نقف عليه في بورتريهاته لشخصيات مثل إرنست هيمنغواي، وفيدل كاسترو، ولاحقاً في مقالات أكثر شخصيةً، مثل "كيف تكتب رواية".

ويأتي هذا الكتاب ليؤكّد أهمية الصحافة بالنسبة إلى صاحب "نوبل"، الذي كانت الكتابة اليومية تمثّل تمريناً ضرورياً بالنسبة إلى عمله الروائي، بل إنه قال، في أكثر من لقاء معه، إنه يُفضِّل أن يُذكَر بعد رحيله بفضل كتاباته الصحافية أكثر من كتاباته الروائية.



إقرأ المزيد