حُزن النُّحاة 4
العربي الجديد -

في قراءته لتموضع ابن مضاء الأندلسي (1116 - 1196 للميلاد) ضمن خريطة النُّحَاة، قرَن المُصلِح المغربي علّال الفاسي (1910 - 1974)، في كلمة ألقاها بـ"ملتقى الذكرى الألفية لسيبويه"، بين مذهب ابن حزم الظاهري (994 - 1064) في الفقه، وبين آراء نحوية لصاحب "الردّ على النُّحَاة". رمى ابن مضاء إلى عمليّةِ تخليصٍ كُبرى لعِلمٍ "لا يصلُ أحدٌ منه إلى ما يحتاجُ إليه، حتّى يتعلّمَ ما لا يحتاج إليه"، حسب مقولةٍ للفراهيدي.

ضجّت هذه الأفكار في رأسي، إذ كنتُ قبل أيامٍ أخوضُ حديثاً مع صديق حول قضية مونديالية شائكة بعيدة تماماً عن النحو وأحزانه، وفي معرض حديثه قال سريعاً ردّاً على كلامي: "أضعفُ من حُجّة نحويّ". فتركني مُسائِلاً نفسي بصمت، هل النحو ضعيفٌ حتى تُرمَى شباكي به؟ أيُشبِه منطقي منطقَهم حقّاً؟ ولماذا اختار هذا الشطر بالذات؟ أمِنْ قلّة الأهاجي الشعرية المُقذعة يا أخي حتى ترميني بهجاءٍ مُعقلَنٍ كهذا، ودماء الانتماءات المونديالية تغلي في العروق؟ 

"ترنو بطرفٍ ساحرٍ فاترٍ/ أضعفُ من حجّة نحوي"، هو بيت مجهولٌ قائلُه ضمّنه ابن مضاء مقدّمةَ كتابه الوحيد الذي وصلَنا عنه، "الردّ على النُّحاة"، ثم انتقل لتبيان قصدِه من مؤلّفه هذا: "أن أحذف من النحو ما يُستغنَى عنه، وأنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه. فمن ذلك ادّعاؤهم أنّ النصب والخفض والجزم لا يكون إلّا بعاملٍ لفظي، وأنّ الرفع منها يكون بعامل لفظي ومعنوي". 

بقدرةٍ ما، ولوهلةٍ؛ يستطيع شطرٌ من الشعر أن يقتلعك من سياق وجودك الكُرويّ.

نبقى مع ابن مضاء، فإذا كان الفاسي قد قرنه بابن حزم في محاولةٍ منه لفهمه، فإنّ المصري شوقي ضيف (1910 - 2005) يظلّ أكبر المُنتصِرين للرجل، فهو مَن أخرج "الردّ" للناس عام 1982، بعد أن حقّقه وتبنّى ما فيه، مُعتبراً آراء قاضي مرّاكش "ثورة"؛ إذ ليس في الكلام عاملٌ ولا معمول، وهذه "نظرية تجرّ وراءها حشداً من عِلَلٍ وأقيسةٍ يعجز الثاقبُ الحِسِّ والعقلِ عن فهم كثير منها". 

وحده هدف حكيم زياش ردّني إلى أرضية السرور الحقيقية

بالمقابل لم تكن مقولات صاحب "المُشرِق في النحو" (كتابٌ لابن مضاء لم يصلنا)، لتمرّ دون ردودٍ من أقدمين مثل ابن خروف في "تنزيه أئمة النحو عمّا نُسبَ إليهم من الخطأ والسهو"، ومُحدثين مثل العراقي مهدي المخزومي (1910 - 1993) الذي لفتَ إلى أنّ ما جاء به ابن مضاء على أهمّيته، إلّا أننا لو تتبّعنا أثره لوجدنا بعضه في النحو الكوفي، وبالأخصّ عند الفرّاء.

الطريف أنّ ابن مضاء وفي معرض تقديمه لأفكاره، نبّه إلى أنه سيُنتقَصُ منها، كوْن صاحبها مجرّد "أندلسيٍّ مسرور... أتُزري بنحويّي العراق؟ وفضل العراق على الآفاق كفضل الشمس في الإشراق على الهلال المُحاق"، يقولُ على لسان منتقديه المُتخَيَّلين.

استلّني شطرٌ من وجودي الكروي الحاضر، وألقاني مع أحزان قاضٍ مرّاكشي شغلت آراؤه الفاسي وضيف والمخزومي في القرن العشرين؛ وحدَه هدف المغربي حكيم زياش - الآن أراه - ضدّ كندا في الدقيقة الرابعة، يُردُّني إلى الواقع، إلى أرضية السرور الحقيقية.



إقرأ المزيد