السومرية الفضائية العراقية - 1/11/2026 12:48:32 PM - GMT (+3 )
في مشهد يمزج بين الترقب الاقتصادي والاحتقان الشعبي، يجد العراق نفسه مع بداية العام الجديد 2026 أمام مفترق طرق حاسم، حيث دخلت حزمة من التعديلات الجمركية والضريبية حيز التنفيذ، مفجرةً موجة من الجدل والاحتجاجات التي لم تتوقف عند حدود الأسواق، بل وصلت إلى قبة البرلمان. وبينما تصر الحكومة على أنها تمارس "حقاً سيادياً" لتنظيم التجارة وحماية المنتج الوطني، يرى الشارع والتجار أن هذه الإجراءات هي "رصاصة الرحمة" على قدرة المواطن الشرائية المترنحة أصلاً.
لم تتبخر التغييرات الجمركية في البيانات الرسمية، بل تحولت سريعاً إلى حركة احتجاجية واسعة. ففي يوم الأحد، تظاهر العشرات من التجار أمام غرفة تجارة بغداد، مطالبين بإلغاء القرار أو تأجيله، محذرين من استمرار الاحتجاجات.
ومؤخراً، خرج تجار وأصحاب محال أمام غرفة تجارة بغداد يشتكون من قفزة في الضرائب، وتحدّث بعضهم عن انتقال مبالغ التزاماتهم من ملايين محدودة إلى عشرات الملايين خلال أشهر قليلة، مع هبوط حادّ في القوّة الشرائية للمواطن الذي صار يشتري الأقل وبحذر أكبر.
في مناطق تجارية لبيع الأجهزة والهواتف والإلكترونيات، ظهرت حملات إغلاق جماعي للمحلات احتجاجا على الرسوم الجديدة، مع لافتات تردّد أنّ "المواطن ضحية" لقرارات أربكت حركة البيع والشراء ورفعت الأسعار على الجميع.
في البصرة ومحافظات أخرى، وثّقت صور تظاهرات لتجار يحتجّون على الضرائب الجديدة ورفع الرسوم الجمركية، محذّرين من ركود واسع في قطاعات مثل سوق الهواتف والأجهزة المستوردة في وقت يعتمد فيه عدد كبير من الشباب على هذا النوع من التجارة الصغيرة والمتوسطة.
تحركات نيابية
أظهرت وثائق حصلت عليها "السومرية"، السبت 10 كانون الثاني 2026، تقديم 25 عضواً في مجلس النواب العراقي، طلباً إلى رئاسة البرلمان، لإلغاء قرار حكومة تصريف الأعمال رقم 957 القاضي برفع الرسوم الجمركية لبعض السلع والبضائع.
وجاء في الطلب الموقع من قبل 25 نائباً، إلى رئاسة مجلس النواب: "قرر مجلس النواب اتخاذ الإجراءات اللازمة من قبل مجلس الوزراء بإلغاء قراره المرقم 957 لسنة 2025، المتخذ في الجلسة 43 في 28 تشرين الأول 2025، إعلاء لمبدأ المشروعية وسيادة القانون وإحالة الموضوع إلى الحكومة القادمة ضمن منهاجها الوزاري".
المفارقة أنّ التعرفة الكمركية التي يجري تطبيقها اليوم أُقِرّت بقانون صوّت عليه مجلس النواب نفسه عام 2010 وما زال نافذا حتى اليوم، لكنّ الجدل ينحصر الآن في طريقة تفعيل الضرائب الجديدة وتوسيعها عبر قرارات تنفيذية من دون العودة إلى تصويت جديد في البرلمان.
حديث الحكومة
وفي ما يخص التعرفة الكمركية الجديدة، تقول الحكومة، أنها "جاءت استناداً إلى قراءة السياسة الاقتصادية للواقع المالي للبلاد، وإلى توجهات حمائية تستهدف دعم المنتج الوطني وتنظيم التجارة الخارجية"، مؤكدة أن "هذا الخيار يندرج ضمن صلاحيات التقدير السيادي للسياسة الاقتصادية".
وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه الاقتصاد العراقي من اختلالات هيكلية متراكمة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق التشغيلي وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب بيئة إقليمية ودولية مضطربة تشهد انكماشاً اقتصادياً وحروباً تجارية انعكست على سياسات الرسوم والضرائب في العديد من الدول.
يبقى السؤال المعلق في فضاء بغداد: هل ستخضع الحكومة لضغط الشارع والبرلمان وتتراجع عن القرار؟ أم أنها ستمضي قدماً مراهنة على "نظام الأسيكودا" لتنظيم الإيرادات؟.
المؤشرات الحالية تشير إلى "صراع إرادات"، فالحكومة تراه حلاً لا بد منه للاختلالات الهيكلية، والتجار والبرلمانيون يروه "توقيتاً خاطئاً" قد يقود إلى كساد كبير. الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان العراق سيشهد "هدنة جمركية" أو تصعيداً في حدة الاحتجاجات.
إقرأ المزيد


