سكاي نيوز عربية - 9/4/2026 11:29:25 AM - GMT (+3 )
وكشفت البعثة، في تقريرها الصادر الخميس، والمقرر تقديمه إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 9 أكتوبر، أن القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها ارتكبت انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، من بينها مهاجمة المدنيين والأعيان المدنية والقتل والاعتقال والتعذيب، إضافة إلى شن غارات جوية وعمليات قصف على مناطق مأهولة.
وأكدت أن قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها ارتكبت أيضا انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، من بينها القتل والعنف الجنسي والنهب والتهجير القسري والهجمات ذات الطابع العرقي، واتسم بعضها بخطورة أشد، ولا سيما في دارفور.
وكشف التقرير اتساع الدور الذي تؤديه الأسلحة الأجنبية والطائرات المسيّرة والمقاتلون الأجانب وشبكات الدعم العابرة للحدود في إطالة أمد الحرب، مؤكدا أن تطور القدرات العسكرية لطرفي النزاع وسّع نطاق استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية.
وخلصت البعثة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن كلا من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان خلال عمليات الطائرات المسيّرة، وأن بعض الهجمات التي نفذها الطرفان قد ترقى إلى جرائم حرب.
وبحسب التقرير، أدت الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة إلى مقتل أكثر من ألف شخص خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، وطالت مستشفيات ومدارس وأسواقا ومواقع للنازحين ومنشآت تقدم خدمات أساسية للمدنيين.
وحذرت البعثة من أن الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الواردة من الخارج لم تقرب السودان من إنهاء الحرب، بل منحت طرفيها قدرة أكبر على ضرب مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة، ووسعت دائرة الأضرار التي تلحق بالمدنيين وعمّقت الأزمة الإنسانية.
هجمات الجيش على مواقع مدنية
وثق التقرير عددا من الهجمات المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية، من بينها ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت أو أصابت مستشفى الضعين التعليمي وسوق أبو زعيمة وسوق يابوس ومواقع مدنية أخرى.
وأشار إلى مقتل ما لا يقل عن 70 شخصا وإصابة 146 آخرين في الهجوم على مستشفى الضعين بولاية شرق دارفور، فضلا عن خروج المستشفى عن الخدمة.
وأكدت البعثة أنها لم تجد معلومات تثبت استخدام المستشفى لتخزين الأسلحة أو شن هجمات منه، موضحة أن تقديم العلاج لجرحى من قوات الدعم السريع لا يسقط الحماية القانونية المقررة للمستشفيات والمرضى والعاملين في المجال الطبي.
وخلص التقرير إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن أفرادا من القوات المسلحة ارتكبوا انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وأن تعمّد استهداف الأعيان المدنية قد يشكل جريمة حرب.
كما وجدت البعثة أن الجيش استخدم طائرات مسيّرة أجنبية التوريد في هجمات أصابت مواقع مدنية، من بينها سوق يابوس في إقليم النيل الأزرق.
وأشار التقرير إلى أن بعض الأنظمة المستخدمة تحمل خصائص تتسق مع طائرات قتالية وذخائر جوالة أجنبية الصنع، مما يفتح الباب أمام التحقيق في مصادر هذه المعدات ومسارات وصولها إلى السودان.
التحقيق في مصادر تسليح الجيش
أوضحت البعثة أن تحقيقاتها الحالية ركزت بصورة أساسية على شبكات الدعم الخارجي المرتبطة بقوات الدعم السريع، بينما لا يزال التحقيق في الدعم الخارجي المقدم إلى القوات المسلحة السودانية في مرحلة مبكرة، على أن تعرض البعثة نتائجه لاحقا.
وأكدت أنها ستوسع هذا المسار خلال الفترة المقبلة لتحديد مصادر الأسلحة والطائرات المسيّرة والذخائر التي وصلت إلى الجيش، إلى جانب طبيعة الدعم وحجمه ومسارات نقله وكيفية استخدامه.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل تعدد التقارير بشأن حصول الجيش على طائرات مسيّرة وأسلحة وذخائر وتكنولوجيا عسكرية من مصادر خارجية، واستخدام بعضها في هجمات أوقعت خسائر بين المدنيين.
ويضع توسيع التحقيق جميع شبكات الإمداد العسكري الخارجي تحت المساءلة، بدلا من حصرها في طرف واحد، كما يتيح تتبع الشركات والوسطاء وطرق الشحن والمطارات والموانئ المستخدمة في إدخال الأسلحة إلى البلاد.
وتحدث التقرير عن شبكة واسعة تعمل لصالح قوات الدعم السريع، تضم أفرادا وشركات ووسطاء وكيانات خاصة تنشط عبر عدد من الدول، وتوفر أسلحة ومعدات وخدمات لوجستية وتدريبا ومقاتلين أجانب.
وأشار إلى أدوار منسوبة إلى أفراد وكيانات خاصة وشبكات تجارية ولوجستية عابرة للحدود، فيما دعا الدول المعنية إلى تشديد الرقابة والتحقيق في الأنشطة التي قد تُنفذ من أراضيها أو عبر شركات مسجلة فيها.
تعاون مع التحقيق
قالت البعثة إنها تلقت تعاونا من ثلاث دول، هي الإمارات وتشاد وكولومبيا، شمل ردودا على استفساراتها ومعلومات متعلقة بالمسائل التي تناولها التحقيق، بينما لم تتلق ردودا موضوعية من عدد من الدول الأخرى.
وسجلت البعثة تعاون دولة الإمارات معها، مشيرة إلى تلقيها ردودا إماراتية مكتوبة وشفوية، وعقد اجتماعين مع ممثلي الدولة في 26 فبراير و19 يونيو 2026.
وعبّرت عن تقديرها لهذا التعاون، ورحبت بالتزام السلطات الإماراتية بالامتثال للقانون الدولي وتنظيم أنشطة الجهات الخاصة ومحاسبة المسؤولين عن أي سلوك غير قانوني، داعية إلى مواصلة التحقيق في المزاعم المتعلقة بأشخاص أو كيانات خاصة واتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ثبتت صحتها.
واستعرض التقرير القوانين والإجراءات الإماراتية المنظمة لنقل الأسلحة وأنشطة شركات الأمن الخاصة ومكافحة غسل الأموال والمسؤولية الجنائية للشركات والجرائم الدولية.
كما نوّه التقرير بالإجراءات التي اتخذتها السلطات الإماراتية للتحقيق في عمليات نقل أسلحة ومواد عسكرية مرتبطة بدعم القوات المسلحة السودانية، في إشارة إلى الشبكة التي ضبطتها السلطات الإماراتية في أبريل 2025، والتي كانت تحاول تهريب عتاد عسكري وأسلحة غير مشروعة على متن طائرة خاصة لصالح الجيش السوداني.
واعتبر تقرير البعثة الحادثة دليلا على وجود آليات محلية وقدرة مؤسسية على التحقيق في الأنشطة التي قد تنفذ من أراضي الدولة، بصرف النظر عن الطرف السوداني المستفيد منها.
وأشار التقرير كذلك إلى المساعدات الإنسانية التي قدمتها الإمارات إلى المدنيين المتضررين من الحرب داخل السودان واللاجئين في دول الجوار، في ظل واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا في العالم.
ويمثل هذا التعاون تناقضا لافتا مع موقف سلطة بورتسودان، التي قالت البعثة إنها لم تتعاون معها، ولم تستجب لطلبات عقد اجتماعات، ولم تسمح لأعضائها بزيارة السودان، كما لم تقدم ردا على المسودة النهائية للتقرير.
حظر شامل للأسلحة
دعت بعثة تقصي الحقائق مجلس الأمن الدولي إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض حاليا على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية.
كما حثت الدول على وقف نقل الأسلحة والطائرات المسيّرة ومكوناتها والمساعدات التقنية والعسكرية عندما يوجد خطر جوهري من استخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
ومن شأن تعميم الحظر، وفقا لمسار التقرير، إخضاع جميع تدفقات السلاح إلى طرفي الحرب للرقابة الدولية، ومنع استمرار دخول الأسلحة تحت أي غطاء سياسي أو قانوني.
ويضع التقرير الحرب السودانية في إطار أوسع من المواجهة المباشرة بين الجيش والدعم السريع، باعتبارها نزاعا باتت تغذيه شبكات متعددة من الأسلحة والأموال والتكنولوجيا والمقاتلين الأجانب.
كما يقدم صورة مغايرة للروايات التي تحصر المسؤولية في طرف واحد، إذ يوثق انتهاكات جسيمة ارتكبها الطرفان، ويدعو إلى تحقيق شامل في مصادر تسليحهما ومحاسبة الأفراد والشركات والوسطاء المتورطين في تغذية الحرب، أيا كانت الدول التي ينشطون منها أو الجهات السودانية المستفيدة من أعمالهم.
ويشير التقرير إلى أن وقف معاناة المدنيين يتطلب معالجة جميع مسارات الدعم الخارجي، وتوسيع حظر السلاح، وضمان عدم استخدام التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة في مهاجمة المستشفيات والأسواق والمدارس ومواقع النازحين.
وبذلك، ينقل تقرير البعثة ملف التدخلات الخارجية من دائرة الاتهامات السياسية المتبادلة إلى مسار يقوم على تتبع الشبكات والكيانات وسلاسل الحيازة والأدلة القابلة للتحقق، بالتوازي مع فتح تحقيق أوسع في مصادر تسليح الجيش وداعميه الخارجيين خلال المرحلة المقبلة.
إقرأ المزيد


