سيناء: أهالي شيبانة يحيون سوقهم لمواجهة التهجير
العربي الجديد -

تواجد دائم للجيش المصري لحفظ الأمن (خالد دسوقي/ فرانس برس)

للمرّة الأولى منذ تهجيرهم من قريتهم قبل سبع سنوات، أقام أهالي قرية نجع شيبانة جنوب مدينة رفح بمحافظة شمال سيناء شرقي مصر سوقهم الأسبوعي. وكان الأهالي قد هُجروا إثر احتدام المعارك بين تنظيم ولاية سيناء الموالي لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وقوات الجيش المصري، إلا أنهم تمكنوا خلال الأشهر الماضية من طرد التنظيم من مناطقهم بمساعدة الجيش المصري. ثم بدأ الأخير في إجراءات إخلاء المنطقة من سكانها مرة أخرى من دون سبب واضح.
وقال أبو محمد المنيعي لـ "العربي الجديد" إن "أهالي نجع شيبانة اتخذوا قراراً بالصمود في أرضهم على الرغم من كل الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة نتيجة انعدام سبل الحياة فيها، بعد إصدار قرارات عدة تحول دون الاستمرار في البقاء والدفع باتجاه التهجير القسري مرة أخرى. واتّخذ أهالي شيبانة قراراً بزراعة الأرض وبناء المدرسة وفتح السوق الأسبوعي والمبيت في القرية على الرغم من عدم توفر خطوط الكهرباء والمياه والاتصالات، بالإضافة إلى دعوة أهالي سيناء عامة إلى زيارة القرية والجلوس فيها تضامناً مع أهلها ورفضاً لمحاولات التهجير". وأضاف أن يوم الإثنين شهد أول أيام السوق الأسبوعي الذي اعتاد أهالي شيبانة عليه طيلة العقود الماضية، فيما حال الإرهاب ومكافحته دون استمراره خلال السنوات الأخيرة. إلا أن الأهالي أصروا على إعادته للعمل مجدداً على الرغم من ضعف المواد المعروضة فيه، وقلة البضائع الواردة للقرية، في خطوة رمزية موجهة لأصحاب الشأن والراغبين في تهجير السكان من قرى جنوب رفح خلال المرحلة المقبلة، بأن الأهالي يصرون على العيش في قراهم، وبأدنى الإمكانات المتاحة لديهم، ورغم التقصير الحكومي حيال سكان القرى بصفتهم متضررين من الإرهاب وعمليات مواجهته من قبل قوات الجيش والمجموعات القبلية. وشدّد على أن المواطنين سينظمون جلسات ليلية بشكل دائم طيلة فصل الشتاء، وبحضور قبائلي ومجتمعي واسع النطاق، رفضاً لأي مخطط تهجير. كما سيسعى المواطنون وبدعم من وجهاء المنطقة إلى تعمير قرى جنوب رفح، وإمدادها بكل ما يلزم لاستمرار الحياة فيها، والحيلولة دون تنفيذ مخطط الإخلاء الذي يجري الحديث عنه، وتنفيذ جزء من إجراءاته خلال الأسابيع القليلة الماضية، داعياً الجهات الحكومية والعسكرية إلى الاستماع إلى المواطنين والجلوس معهم، واحترام ما قدمته هذه القبائل في سبيل تطهير مدن رفح والشيخ زويد من داعش خلال الأشهر الماضية، وقد قتل وأصيب العشرات من أبناء القبائل خلال المعارك التي بدأت منذ سنوات واشتدت في مارس/ آذار الماضي.
وعرض بعض سكان القرية بضائع للبيع من الإنتاج المحلي كالخضار والفاكهة واللحوم والحبوب المستخدمة كطعام للحيوانات، ومستلزمات منزلية، وأدوات إضاءة بديلة في ظل انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة من جنوب رفح، بالإضافة إلى بعض الدواب والخراف التي تمت تربيتها في المنطقة خلال الأشهر الماضية. وزار أهالي قرية نجع شيبانة والمهدية وجوز أبو رعد والبرث، سوق نجع شيبانة، واشتروا بعضاً من حاجياتهم، كجزء من دعم أهالي المنطقة المهددة بالتهجير، وتأكيداً على ترابط المناطق بعضها ببعض في مواجهة أي مخطط، تلبيةً لدعوة أطلقها وجهاء شيبانة لجميع القبائل بالحضور إلى القرية والمشاركة في سوقها.

قضايا وناس

التحديثات الحية

وبعد انفضاض السوق، اتجه عشرات البدو الحاضرين إلى شيبانة للجلوس في زاوية أبو عليان الشهيرة، للاستماع إلى خطبة دينية ألقاها أحد مشايخ المنطقة، ومن ثم جرت مناقشة الأوضاع في المرحلة المقبلة، في ضوء الحديث عن التهجير، وسبل مواجهة المخطط، بما يضمن الحفاظ على الأرض، ودون الدخول في أزمة مع الجهات الأمنية والحكومية، في ظل الوساطات التي تدخلت في الآونة الأخيرة لنزع فتيل الأزمة بين الطرفين، وإبقاء الأهالي في أماكنهم حتى اتضاح الصورة من الجهات السيادية.
من جهته، قال مسؤول حكومي فضل عدم الكشف عن اسمه في مجلس مدينة رفح لـ"العربي الجديد" إن إحياء أسواق قرى جنوب رفح لا يضير الجهات الأمنية والحكومية في شيء، بل يعتبر جزءاً من إعادة الحياة إلى كافة مناطق سيناء، باستثناء المنطقة العازلة التي جرى تحديدها بمقتضى مرسوم رئاسي صادر عن الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014، بينما تم تنفيذ أجزاء واسعة منها، وتبقّى جزء يسير جنوب مدينة رفح، وذلك كله تنفيذاً للخطة الحكومية الكبرى لتنمية شمال سيناء، والحفاظ على الأمن القومي، في البوابة الشرقية لمصر.

شهد السوق إقبالاً من الأهالي (فيسبوك)

أضاف أن مجلس مدينة رفح ومحافظة شمال سيناء يشجعان المواطنين والتجار على الحركة التجارية في المحافظة، بل يدعمان ذلك بقرارات عدة بالتنسيق مع الجهات الأمنية، وهذا ما لمسه الجمهور في سيناء خلال الشهرين الماضيين، ضمن سلسلة التسهيلات التي أقرت في ما يتعلق بإدخال البضائع وتوزيعها وكذلك المحروقات ومستلزمات السيارات وغيرها. وأوضح أن الحكومة والأمن أحرص ما يكونان على صمود المواطن وبقائه على الأرض، بما لا يتعارض مع التوجهات السياسية والأمنية التي تحرص على منجزات الوضع الأمني المتمثل في طرد داعش من مناطق شرق سيناء. وأشار إلى أن إخلاء مناطق محاذية للشريط الحدودي ليس جديداً، وإنما تم تحديده في الخريطة التي نشرت إبان البدء في إقامة المنطقة العازلة في مدينة رفح في أكتوبر/ تشرين الأول 2014. ومع اشتداد المعارك بين الأمن وتنظيم داعش، فر المواطنون من هذه المناطق عام 2015، وعادوا إليها مجدداً في ظل التنسيق مع قوات الجيش في ملاحقة التنظيم، في شهر مارس/ آذار الماضي. إلا أن أهالي هذه المناطق فهموا نشاطهم مع قوات الجيش على أنه تعديل في الخريطة المذكورة سابقاً، وأن لهم الحق في البقاء في المنطقة، حتى وإن صدر قرار جمهوري وعسكري بإخلائها من السكان وتعويضهم، أو منحهم شققاً سكنية في مدينة رفح الجديدة كبديل عن مساكنهم التي دمرت في قرى جنوب رفح.

قضايا وناس

التحديثات الحية

وكانت مناطق جنوب رفح قد شهدت خلال الأيام الماضية تجمعات ليلية لمئات المواطنين البدو من سكّان المنطقة، وهم المكون الأساسي للمجموعات القبلية التي ساندت الجيش المصري في طرد تنظيم "داعش"، للتعبير عن رفضهم للإجراءات التي تتخذها قوات الجيش تمهيداً لتهجيرهم من قراهم التي يعيشون فيها منذ عشرات السنوات. وكان أبرز تلك الإجراءات إبلاغ المواطنين أكثر من مرة بضرورة إخلاء المنطقة، ومنع مصانع الطوب من العمل، وحضور لجان لترقيم المنازل المتبقية في المنطقة، ومنع الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه الصالحة للشرب من الوصول. وكان آخر تلك الإجراءات، إغلاق الطريق المؤدية إلى منطقتي المهدية ونجع شيبانة جنوب رفح.



إقرأ المزيد