هل أجهضت الغارات السعودية رؤية الزيدي لعراق بعيد عن الصراعات؟
هذا اليوم -

شفق نيوز- ترجمة خاصة

ما تزال الغارات التي شاركت السعودية في شنها على مواقع داخل العراق،وهي الأولى التي تعلن فيها الرياض مشاركتها العسكرية المباشرة، تثير تساؤلات بشأنانعكاساتها على المشهد السياسي في بغداد، وسياسات رئيس الوزراء علي الزيدي، ورؤيتهلمستقبل العراق، فضلاً عن تأثيرها في علاقاته مع واشنطن ودول الخليج.

وقالت قناة "فرانس 24" الفرنسية، في تقرير لها، ترجمتهوكالة شفق نيوز، إن انضمام السعودية إلى الولايات المتحدة في شن ضربات داخل العراقيمثل تحولاً كبيراً في الموقف الإقليمي للمملكة بعد أشهر من ضبط النفس.

وأضافت القناة الفرنسية، أنه في الوقت الذي تؤكد فيه الرياض أنها"تتصرف دفاعاً عن النفس"، فإن العملية تثير تساؤلات حول ما إذا كانتالسعودية تتخلى عن نهجها الحذر تجاه طهران، أم أنها تكتفي بتوجيه رسالة تحذيرية،لكنها تمثل في جميع الأحوال أول تدخل عسكري مباشر للرياض إلى جانب واشنطن منذاندلاع الحرب الإيرانية الأخيرة.

ونقل التقرير عن الأكاديمي المتخصص في شؤون الإسلام العالمي بجامعةبريستول، توبي ماثيسن، قوله إنه "تحول كبير جداً، ويبدو أن السعوديين يشاركونعسكرياً بشكل أكثر علانية بعد بضعة أشهر من ضبط النفس الشديد".

وقال الباحث في العلاقات الدولية بجامعة لانكستر، خافيير بوردون، إنالسعودية تسعى إلى ترسيخ صورتها بوصفها دولة معتدلة، وهو ما يظهر في الطريقة التيتحاول بها إدارة الصراع المستمر والتوتر المتواصل في المنطقة، مضيفاً أن المملكةلا تسعى إلى "مواصلة التصعيد، وإنما إلى ردع العدوان".

وأكد أن التحول جاء نتيجة التأثير التراكمي للهجمات المتكررة والمخاطرالاقتصادية المتزايدة، مبيناً أنه إذا امتد الضغط الحوثي إلى مضيق باب المندب، فإنالسعودية ستواجه بيئة اقتصادية أكثر تعقيداً، مع تهديد طريقي التصدير البحريالرئيسيين.

وإلى جانب ذلك، أوضحت "فرانس 24"، أن الخبراء يرون أن نهجالرياض الحذر يعكس أيضاً استراتيجية دبلوماسية أوسع، مذكّرة بأن السعودية سعت خلالالسنوات القليلة الماضية إلى إعادة بناء علاقاتها مع منافستها الإقليمية إيران،انطلاقاً من قناعة بأن التعايش طويل الأمد أفضل من المواجهة الدائمة، رغم أن هذاالتقارب لم يضع حداً لتنافسهما.

في حين، أشار المتخصص في العلاقات السعودية - الإيرانية، كنزي ديسوكي،إلى أن "البلدين واجها تاريخياً هذا التوتر عبر حرب بالوكالة واسعة النطاق،شملت دولاً متعددة وجماعات مسلحة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط".

وفي هذا الإطار، قال التقرير إن قادة السعودية توصلوا إلى استنتاجمفاده أن طهران بحاجة إلى تحذير أكثر وضوحاً، وإن العراق، وفقاً لخبراء، يمثلأهمية عسكرية وسياسية في آن واحد، بخلاف اليمن.

وبعد الإشارة إلى أن السياسة الداخلية في العراق لعبت دوراً فيمايجري، ولا سيما في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، تابع بوردون قائلاً:"أعتقد أن الولايات المتحدة والسعودية تنسجمان مع هذه الرؤية عندما يتعلقالأمر بإعادة تأكيد، أو تعزيز، احتكار الدولة للسلاح في مواجهة الميليشيات"،مضيفاً أن الضربات تمثل "وسيلة للإشارة إلى دعمهما لهذه الرؤية".

أما ديسوكي، فبعد الإشارة إلى أن الرياض تجنبت استهداف الأراضيالإيرانية مباشرة، فقال إنه ينبغي النظر إلى العملية بوصفها رداً دفاعياً علىهجمات الميليشيات المدعومة من إيران، وليس هجوماً على إيران نفسها، موضحاً أنه مادامت السعودية تمتنع عن استهداف إيران أو الانحياز رسمياً إلى الحملة العسكريةالأمريكية، فإن ديناميات الصراع الأوسع لا تزال دون تغيير كبير، مؤكداً أنها"إشارة إلى القوة أكثر من كونها التزاماً صريحاً بالحرب"، على حد قوله.

ورأت "فرانس 24" أن حسابات السعودية تقوم على أن هذاالاستعراض المحدود للقوة قد يساعد في منع اتساع رقعة الحرب، موضحة أن الرياضتراهن، من خلال إظهار أن الهجمات على أراضيها باتت تترتب عليها كلفة عسكريةمباشرة، على ردع إيران وحلفائها الإقليميين عن تنفيذ المزيد من الضربات ضدالمملكة.

ولهذا، خلص التقرير، إلى التساؤل عما إذا كانت هذه المخاطر المحسوبةستؤتي ثمارها أم لا، مشيراً إلى أن محللين يحذرون من أن الانضمام إلى الضرباتالأمريكية ينطوي على خطر جرّ السعودية إلى عمق المواجهة الإقليمية مع استمرار اتساعالحرب.

من جهته، قال موقع "أمواج" البريطاني إن العواقب الأعمقللهجوم السعودي قد لا تقع على السعودية أو إيران، وإنما على مشروع بغداد المتواصللانتشال نفسها من الحروب بالوكالة في المنطقة.

ووفقاً للموقع البريطاني، فإن عملية اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني،قاسم سليماني، في غارة أميركية داخل العراق قبل ست سنوات، حولت البلاد إلى الجبهةالرئيسية للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، لافتاً إلى أنه رغم استمرارالتوترات خلال السنوات اللاحقة، فإن الحكومات العراقية المتعاقبة سعت إلى إبعادالعراق عن التحول إلى ساحة معركة مباشرة للصراع الإقليمي.

ولفت التقرير، إلى أن هذه الجهود أسهمت في إعادة بناء علاقات العراقمع السعودية ودول عربية أخرى، وسمحت لبغداد بتقديم نفسها ساحةً للدبلوماسيةالإقليمية بدلاً من أن تكون ميداناً للصراعات بالوكالة، إلا أن الضربات السعودية -الأميركية الأخيرة تهدد بعكس هذا المسار، وإعادة العراق إلى ساحة لتصفية النزاعاتبين القوى الإقليمية المتنافسة.

ونقل "أمواج" عن مدير الإعلام في الحشد الشعبي، مهندالعقابي، قوله إن الهجمات السعودية تمثل "سوء تقدير سياسي"، متهماًالرياض بمواجهة إيران واليمن على الأراضي العراقية، ومؤكداً مجدداً أن الحشدالشعبي لم يكن له أي دور في الهجمات على المنشآت النفطية السعودية.

كما نفى السفير الإيراني السابق لدى بغداد، حسن كاظمي قمي، الادعاءاتالتي تتهم جماعات عراقية بالمسؤولية عن الهجمات على السعودية، واصفاً تلك الهجماتبأنها "مشبوهة"، ومشيراً إلى احتمال تورط خلايا أوكرانية نائمة فيتنفيذها.

وبين التقرير، أنه بغض النظر عن مدى مصداقية هذه الروايات، فإنها تكشفمدى سرعة تحول العراق إلى مسرح تتنافس فيه القوى الخارجية على النفوذ والشرعية.

ولم يستبعد الموقع البريطاني، أن تؤثر هذه الأحداث في مصير الوجودالعسكري الأميركي، موضحاً أنه ما دام العراق ساحة للصراع الإقليمي، فقد لا تستجيبالولايات المتحدة لطلب بغداد الانسحاب الكامل، وأن الضربات السعودية قد تعقد هذاالتوازن بصورة أكبر.

وبعد الإشارة إلى إلغاء زيارة الزيدي إلى الرياض، لم يستبعد التقريرأن يهدد هذا التراجع الرمزي بإبطاء الاستثمارات الخليجية وتقويض الثقة السياسيةالتي عملت بغداد على إعادة بنائها مع جيرانها العرب، مبيناً أن الاختبار الذييواجه الزيدي يتجاوز إدارة أزمة أمنية واحدة، إذ إن رؤيته الأوسع للعراق بوصفهوجهة مستقرة للاستثمار الأجنبي وشريكاً موثوقاً لكل من واشنطن ودول الخليج، تعتمدعلى الاستقرار الإقليمي، وعلى إحراز تقدم حقيقي في دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسساتالدولة.

وختم التقرير بالقول إن نتائج هذه التطورات هي التي ستحدد ما إذا كانالعراق سيحافظ على دوره جسراً بين القوى الإقليمية المتنافسة، أم سيعود مرة أخرىإلى خط مواجهة متقدم في صراعاتها.



إقرأ المزيد