الزمان - 3/13/2026 5:57:06 PM - GMT (+3 )
نقطة ضوء
إعلام حرباوي برصاص مرتد – محمد صاحب سلطان
بمحبة غامرة، إلتقيت قبل مدة بالعديد من الزملاء الصحفيين والأكاديميين من أساتذة الدرس الإعلامي الذين حفلت بهم ساحات متعددة محليا وعربيا وعالميا، بحثا وتدريبا ومشاركة، بتخصصات مختلفة.. تذاكرنا فيهاعلى عجل من الوقت، سنين مضت، وكإنها حدثت اليوم ،شوقا ولهفة برغم جراحات الزمن المكلل بجلال البياض لشيبة مباركة لدى الجميع، لكن حس البراءة وحب المهنة وصدق اللقاء ما زال طاغيا على الرغم من بطئ التواصل المتقطع لدا من حالفهم الحظ عبر شبكات التواصل، الذي أثبت بإن اللقاء الواجهي، أعلى حسا وأكثر صراحة وصدقا، كانت الدموع تترقرق في العيون والسواعد تحتضن الإجساد المتعانقة، وعادت بنا الذاكرة المتوهجة بحب الوطن والمهنة التي نعشق لإيام العمل الصحفي الذي جمعنا مثل أسرة واحدة وليس كزملاء عمل فقط ، أسماء عديدة حفظتها القلوب قبل الذاكرة، رأيتها فاعلة ومحتفية جاءت تحمل فيضا من وهج التجربة وعصارة الخبرة المتراكمة في الحقل الإعلامي، بعضهم بادر مشكورا بإهدائي نماذج من نتاجاتهم الأخيرة من الكتب والمؤلفات، ومن بينهم الزميل الدكتور جهاد كاظم العگيلي بكتابيه (ذاكرة وطن) و(ذاكرة العراق المعاصرة) اللذان يعدان خلاصة فكر وتعبير، جسدها في مقالات تجلى فيها الكثير من الصور لواقع العراق في كل مجالات الحياة بعد أن تنازعته الأحداث، وما قذفت به أمواج السياسة على سواحل الرمال المتحركة، على حد تعبيره، ومنها ما لحق بموازين القيم والعدالة الإجتماعية بين الناس، فضلا عن تأثيرات القوى الإقليمية وتدخلاتها في شؤونه.
والذي لفت نظري عند مطالعة النتاج القيم لبعض الزملاء، هو الأسلوب المتميز المعتمد في معالجةنمط الإداء الصحفي، ولاسيما المقال والعمود الصحفي، من خلال السعي لتأصيل الكتابة الصحفية ومبادئها وبمختلف ألوانها ومشتقاتها، والتي أعادتني إلى عام2020 عندما أصدرت كتاب (مبادئ الكتابة الصحفية-الشكل والإسلوب)، حاولت فيه جاهدا أن أنقل جزءا من خبرة صحفية تراكمية في الصحافة المطبوعة، إمتدت لإكثر من أربعة عقود فضلا عن عملي النقابي المهني وفي مختلف المواقع الإعلامية والأكاديمية والتأهيلية، التي وجدت فيها متسعا لخدمة المهنة الصحفية وأدواتها، بدافع الحاجة الأكثر إلى تعزيز الإطار الميداني للعمل الصحفي بتجارب ورؤى وتصورات تفيد الأجيال الصحفية المتعاقبة، لقناعتي بإن الذي يده في الماء ليس كمن يده في النار! كما يقال، كون العمل الإعلامي، سواء أكان سمعيا أم مرئيا أم مقروءا، تأتي على العاملين فيه أوقات حرجة ومواقف عصيبة ومعارك (دونكيشوتية)، يجبرون على التعامل معها بناءا على توجيه مخططي أجندة مؤسساتهم وتوجهاتها، فالصحفي -للأسف- في الغالب يعد كبش فداء، يضحي به ولي نعمته متى يشاء!، في حين إن المهنة الإعلامية تتطلب معايير مهنية صارمة ومواقف لا حياد فيها، والأمين على مهنته، من يمسك العصا من طرف الحق وليس من طرف الباطل،
ولإجل ذلك، على الصحفي أن يتصدى في عمله لإكثر من زاوية، مراعيا في ذلك رغائب الجمهور ومزاجه وتقلبات الرأي العام تجاه القضايا المطروحة عليه، لإن الكتابة تعد مخاض فكري عسير، يصور معاني قائمة في نفس الكاتب، تبرز من خلال الصور الباطنة لتوجهاته، ويجعلها محسوسة وظاهرة، ولهذا يجب أن تكون طبيعة هذا الجمهور بإستمرار في مقدمة الأمور التي يفكر بها الصحفي وتكون دليل عمله، بيد أن صحفيي اليوم، يواجهون مشكلات أخلاقية أكثر مما واجهوا في أي وقت مضى، فالتكنلوجيا جعلت الحصول على المعلومات أسهل بكثير من قبل، ولكنها أسفرت عن مشكلات أخلاقية تتعلق بالإعلام الجديد، الذي تحول جزءا كبيرا منه، للأسف، إلى إعلام حرباوي متلون مثل رصاصة ترتد على مطلقها!.. اللهم سترك.
إقرأ المزيد


