تحركات مكثفة لبغداد لإبعاد شبح الحرب ومنع استخدام الأراضي العراقية كمنطلق لقصف إيران
هذا اليوم -

بغداد اليوم – بغداد

يحضر شبح الحرب مجددًا فوق سماء المنطقة، مع التصعيد المتواصل بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، من العقوبات الأخيرة على طهران، إلى التلويح العلني بالخيار العسكري، وصولًا إلى الحشود البحرية والجوية المتزايدة في الخليج ومحيطه.

في هذا المشهد الملبّد، يقف العراق في النقطة الأخطر: دولة تقع جغرافيًا على خط التماس، وتحمل فوق أرضها إرث عقدين من التجاذب الأمريكي الإيراني، وتواجه في الوقت نفسه هشاشة أمنية واقتصادية داخلية تجعل كلفة أي حرب مقبلة أعلى بكثير ممّا تبدو في التصريحات والبيانات.

الخبير في الشؤون الاستراتيجيّة حسين الاسعد يؤكّد في حديثه لـ"بغداد اليوم"، أنّ "الحذر بات واجبًا من عواقب كبيرة وخطيرة قد تطال العراق في حال اندلاع حرب أمريكية مرتقبة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فموقع العراق الجغرافي وتعقيداته السياسيّة والأمنية يجعلان منه أحد أكثر الدول تأثرًا بأي تصعيد عسكري في المنطقة".

العراق في قلب المواجهة المحتملة

يرى الأسعد أنّ "العراق يقف اليوم في قلب العاصفة الإقليمية، وأي مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لن تكون بعيدة عنه، بل من المرجّح أن تنعكس بشكل مباشر على أمنه الداخلي واستقراره السياسي والاقتصادي".

هذا التوصيف لا ينطلق من افتراضات نظرية، بل من تجربة عراقية ممتدة منذ عام 2003، حين تحوّلت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ بين واشنطن وطهران، سواء عبر وجود القوات الأجنبية، أو عبر صعود الفصائل المسلّحة المرتبطة بمحاور إقليمية متنافسة.

وحتى مع تقليص وجود القوات الأمريكية في بعض القواعد، مثل قاعدة عين الأسد، ما زال العراق ضمن شبكة مصالح أمنية وعسكرية واقتصادية متداخلة، يتعامل معها الطرفان كجزء من معادلة الردع المتبادل، ما يعني أنّ أي ضربة واسعة على إيران أو ردّ إيراني كبير قد يمرّ جوًا أو برًا فوق العراق، أو يستهدف مصالح موجودة على أراضيه أو في محيطه المباشر.

ساحة محتملة لتصفية الحسابات

الأسعد يحذّر من أنّ "وجود قوات أجنبية، وتشابك المصالح الإقليمية، وامتداد بعض الصراعات إلى داخل الأراضي العراقية، كلها عوامل تجعل من العراق ساحة محتملة لتصفية الحسابات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ولهذا يجب الحذر من أن ذلك قد يؤدي إلى تصعيد أمني خطير، واستهداف منشآت حيوية، وتعطيل حركة التجارة والطاقة".

هذا التحذير يرتبط بواقع ملموس؛ فالعراق يقع على خطوط إمداد النفط والغاز، وممرّ لقوافل عسكرية وتجارية، ومجاور لمسرح محتمل لضربات جديدة قد تستهدف المنشآت النووية أو البنى العسكرية الإيرانية بعد عملية "المطرقة الليلية" عام 2025، وما تبعها من تلويح أمريكي متكرر بإمكانية توجيه ضربات إضافية إذا فشلت الضغوط الدبلوماسية.

إلى جانب ذلك، تشير دراسات بحثية إلى أنّ تفجّر صراع أمريكي إيراني واسع سيصيب العراق على أكثر من مستوى: أمنًا عبر احتمالات استهداف قواعد أو مقار دبلوماسية، واقتصادًا عبر اهتزاز صادرات النفط وأسعار الطاقة، واجتماعيًا عبر تنامي النزوح والقلق الشعبي، وتنامي هامش الجماعات المتطرفة أو الفصائل غير المنضبطة التي قد تستغل الفوضى لإعادة التموضع.

الانقسام الداخلي.. الخطر الصامت في لحظة الحرب

في الداخل، يلفت الأسعد إلى "ضرورة الحذر من مخاطر الانقسام الداخلي، فالضغوط الخارجية قد تستغل الخلافات السياسية الداخلية، وتدفع باتجاه مزيد من الاستقطاب، وهو ما يهدد السلم الأهلي ويضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة".

التجربة العراقية خلال الأزمات السابقة أظهرت كيف يمكن لأي ضغط خارجي كبير أن يعمّق الشروخ بين القوى السياسية، ويفرز اصطفافات حادّة بين من يراهن على واشنطن ومن يقترب أكثر من طهران، فيما يبقى المجتمع منقسمًا بين خطاب تعبوي يبرّر الانخراط في صراعات المحاور، وخطاب آخر يخشى أن يدفع العراقيون مرّة أخرى ثمن حروب ليست حربهم. دراسات عديدة عن أثر الصراع الأمريكي الإيراني على العراق تشير إلى أنّ هذا الاستقطاب الداخلي، إذا لم يُضبط، يحوّل كل أزمة خارجية إلى تهديد مباشر للسلم الأهلي ولبنية الدولة نفسها.

هنا تصبح "سياسة النأي بالنفس" التي تحدّث عنها الأسعد ليست شعارًا دبلوماسيًا فقط، بل ضرورة لحماية المجتمع من الانقسام العمودي، عبر تجنّب خطاب التخوين المتبادل بين القوى السياسية، وقطع الطريق أمام أي محاولة لحرف النقاش الداخلي من "كيف نحمي العراق؟" إلى "مع أي محور نصطف؟".

بين النأي بالنفس والوساطة: ما الذي يمكن أن تفعله بغداد؟

يؤكّد الأسعد أنّه "على الحكومة العراقية اتباع سياسة متوازنة قائمة على النأي بالنفس، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع استخدام الأراضي العراقية كساحة صراع".

هذا الطرح ينسجم مع التحرّكات العراقية الأخيرة التي تحاول تقديم بغداد كقناة تواصل بين واشنطن وطهران، في محاولة لخفض منسوب التوتر، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، إذ كشف مسؤولون في وزارة الخارجيّة العراقيّة عن اتصالات مكثّفة مع الطرفين "لإبعاد شبح الحرب عن المنطقة".

لكنّ النأي بالنفس في الحالة العراقية ليس قرارًا يُتّخذ ببيان فقط؛ فهو يتطلّب حزمة متكاملة من الخطوات:

-تثبيت مبدأ عدم استخدام الأراضي والأجواء العراقيّة في أي عمل عسكري ضدّ دول الجوار.

-ضبط إيقاع الفصائل المسلّحة ومنع أي ردود فعل فرديّة قد تُستخدم ذريعة لتوسيع دائرة الاشتباك.

-حماية المنشآت الحيوية وخصوصًا حقول النفط وخطوط الطاقة والموانئ، تحسّبًا لأي استهداف أو شلل في حركة التصدير.

-إدارة خطاب رسمي هادئ، يطمئن الشارع ولا يخفي في الوقت نفسه حقيقة المخاطر.

كل ذلك يحتاج إلى قرار سياسي موحّد وقدرة تنفيذية قويّة، في وقت ما يزال فيه النظام السياسي العراقي يواجه اختبارات صعبة تتعلق بتماسك مؤسساته وقدرته على فرض قراراته على كل الفاعلين المسلحين والسياسيين داخل الحدود.

العراق لا يحتمل حربًا جديدة

يختم الأسعد حديثه لـ"بغداد اليوم" بالتأكيد على أنّ "العراق لا يحتمل حرب جديدة، بشكل مباشر أو بالوكالة، وأن أي تجاهل لهذه المخاطر قد يدفع البلاد إلى مرحلة بالغة الحساسية يصعب احتواء تداعياتها لاحقًا".

في ضوء ذلك، تبدو معادلة العراق اليوم شديدة الدقة: بلد خرج لتوّه من سنوات حرب على تنظيم داعش، وما يزال يعالج آثار الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات والاضطرابات السياسية، يجد نفسه أمام احتمال انفجار صراع إقليمي جديد في محيطه المباشر.

بين ضغوط المحاور، وتزايد الحديث عن خيارات عسكرية مفتوحة ضد إيران، ومساعٍ دولية تدعو إلى التهدئة والحوار، تبدو مسؤولية بغداد مضاعفة: أن تتجنّب الانجرار إلى الحرب، وأن تحاول في الوقت نفسه تحويل موقعها من "ساحة صراع" إلى "منصّة وساطة"، لأنّ البديل عن ذلك قد يكون، كما يحذّر الخبراء، دخول العراق في دورة جديدة من عدم الاستقرار لا يعرف أحد أين تنتهي.

المصدر: بغداد اليوم+ وكالات



إقرأ المزيد