ترحيل داعش إلى العراق.. قرار وقائي
هذا اليوم -

كانت الحكومة العراقية أمام موقفٍ صعب جداً، إذ أبلغتها قيادة التحالف الدولي بأن أمامها خيارين: إما أن تتسلّم الإرهابيين وتضعهم في زنازين آمنة، وتُحكم القبضة عليهم وتتحفّظ عليهم بشكل صارم، أو أن هناك احتمالية كبيرة لتسرّبهم واحداً تلو الآخر من سوريا إلى العراق، بسبب الفوضى الكبيرة التي تشهدها مناطق شرق الفرات.

كما أبلغ التحالف الحكومة العراقية بأن جهاتٍ كثيرة قد ترغب في استخدام هؤلاء الإرهابيين لتنفيذ أعمال معينة ضد العراق والمنطقة، ولذلك فإن استقبالهم بشكل مؤقت لحين إيجاد حل لهذا الملف، يُعدّ أفضل من ترك الآخرين يوظّفونهم ضد العراق.

هذه الحالة، أي حالة ترحيل الإرهابيين، حدثت نتيجة انتهاء مهمة “قسد” العسكرية بنسبة تزيد على 90%، وخروجها من دائرة الثقة الأمنية الغربية كطرف يمكن إبقاء هذا العدد من الإرهابيين لديه. وبالتالي، جرى تحويلهم إلى جهة مستقرة تستطيع التعامل معهم بطريقة أكثر أماناً للجميع.

وعلى ما يبدو، فإن مستوى الثقة بأطراف الصراع داخل سوريا محدود جداً، وقد تكون هناك فرصة كبيرة لاندلاع الاشتباكات من جديد بين “قسد” والجيش السوري في حال عدم تجديد الهدنة بين الجانبين، إذ إن الوضع هناك ما يزال هشّاً، ولا يستطيع التحالف الدولي الرهان على قدرة دمشق على إدارة هذا الملف.

إن قرار الترحيل إلى العراق مرّ وصعب، لكنه وقائي وصحيح بالنسبة للأمن القومي العراقي. ونحتاج الآن من الحكومة العراقية أن تُصحح هذا الوضع عبر مخاطبة بلدان هؤلاء الإرهابيين، فنحن نتحدث عن أكثر من 40 جنسية، بهدف إعادتهم إلى دولهم، مع تقديم الأدلة على أنهم كانوا يمارسون الإرهاب في مناطقنا، لكي تتم محاكمتهم هناك.

هذا التحرك يتطلب دبلوماسية مكوكية وحراكاً عالي المستوى، ويجب أن يكون بالتعاون مع الأمم المتحدة والولايات المتحدة، مع ممارسة ضغط فعّال على الدول المعنية. إن إبقاء هؤلاء القتلة في بلدنا قد يكون صحيحاً مؤقتاً كإجراء وقائي لحماية الأمن القومي العراقي، لكنه ليس صحيحاً إبقاءهم لفترات طويلة.

ويستطيع العراق ترحيلهم وفقاً للقانون الدولي وقوانين الهجرة إلى بلدانهم بعد إثبات جنسياتهم الأصلية، وهذا معمول به في قوانين الهجرة الأوروبية والدولية، حين تُرحّل الدول أشخاصاً كسروا حدودها ولا يمتلكون مبرراً إنسانياً أو سياسياً للبقاء، سواء لأغراض اللجوء أو بسبب سجلّهم الإجرامي أو لكونهم يشكّلون تهديداً لأمن الدولة.

وقد تسلّم العراق دفعة تتكون من 150 إرهابياً، وسيتسلم دفعات أخرى قد يصل عددها الكلي إلى 7 آلاف من المقاتلين والقيادات الأجنبية شديدة الخطورة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هناك آلاف الإرهابيين الآخرين المعتقلين في السجون العراقية.

وقبل ترحيلهم، يمكن استثمار وجود هؤلاء القتلة في جمع خارطة بيانات عملاقة عن واقع تنظيم داعش وهيكليته الحالية، وطرائق التواصل والتجنيد والتمويل، والقيادات خارج المعتقلات، بما يساعد على تكوين رؤية شاملة عن التنظيم الإرهابي لصناعة استراتيجية وقائية أكثر أمناً للعراق.

وقد يقول أحدهم: لماذا لا يتم إعدامهم وإنهاء هذه المسألة؟ الإعدام يمكن أن يُطبق على بعض القيادات العليا ممن يثبت عليهم الاشتراك في قتل العراقيين، مع وجود شروط كثيرة، منها ما يتعلق بوجود دعاوى قضائية ضدهم وثبوت حالات الإجرام بحقهم.

لكن هناك إرهابيين مدانين ببيعة هذا التنظيم التكفيري والاشتراك معه في بعض النشاطات دون وجود دعاوى قضائية ضدهم، ولا توجد أدلة كافية على أنهم مارسوا القتل المباشر والصريح. وهذا لا يعني أنهم أبرياء، لكن هذه النقطة هي التي تحتج بها منظمات حقوق الإنسان الدولية ضد العراق، بل حتى تحتج ضد عمليات إعدام المدانين بشكل واضح.

وختاماً، لدينا ثقة كبيرة بأجهزة القضاء والأمن والمخابرات والجيش والجهات المشرفة على عملية التحفّظ وإدارة هذا الملف من الناحية الفنية والاستخباراتية والقانونية. العراقيون تعلموا الدرس جيداً، وبإذن الله تعالى لن تتكرر أخطاء الماضي القريب.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.



إقرأ المزيد