في حضرة الشاعر عمر الخيّام – نذير الأسدي
الزمان -

نذير الأسدي

كنتُ في سفرةٍ سياحيةٍ إلى مدينة مشهد الجميلة قبل سنواتٍ مضت. وبعد مكوثي في المدينة لعدة أيام،  قصدتُ مدينة نيسابور، وهي المدينة التي وُلد فيها الشاعر الخيّام ودُفن فيها، وأقيم له صرحٌ فوق قبره يليق بمقامه ومنزلته عند الشعب الإيراني.

نيسابور مدينةٌ تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة مشهد، وهي من المدن التاريخية التي كانت تعبرها قوافل التجارة، المتخذة من طريق الحرير ممراً لشمال إيران، ويتفرع منها طريق إلى بخارى وسمرقند في جنوب الجمهوريات الروسية، حيث تجارة العطور والأقمشة والتوابل، التي تجتاز حدوداً دولية كثيرة قبل وصولها إلى تجار المدن الكبيرة، وقد تمتد حتى حدود أفغانستان وتركمانستان وبقية دول آسيا الوسطى والولايات الشمالية الواقعة ضمنها.

كان الخيّام من أعظم شعراء إيران، وكان فيلسوفاً ورياضياً ومفكراً، كتب في الكثير من العلوم والمعارف، لكن أكثر ما برع فيه هو رباعياته الجميلة التي تحولت إلى ما يشبه التراتيل والأغاني والأناشيد التي يحفظها الشعب ويتعظ بها، ويُنظر إلى مقامها بمنزلة الطعام والشراب، وجزءاً من عقائدهم في رسم صورة الموت والحياة، وخصوصاً عند العارفين.

واتخذ الكثير من رجال الدين الكبار رباعياته للاستدلال بصورٍ جمالية للحقائق الروحية، والاستشهاد بما فاضت قريحته من حكمة وآراء استلهم منها العرفاء نسج منهجٍ عرفاني يتوصل به العارفون إلى أعماق العشق الإلهي، وقد كان الفيلسوف مطهري من أكثر الباحثين في استلهام أدب الخيّام واعتباره من المقاربات مع المنهج البحثي عن الذات الإلهية، وخصوصاً في كتابه الكبير «العدل الإلهي».

في مدخل المدينة يطالعك بناءٌ واسع تحفّ به حدائق غنّاء، محاطة بالزهور الملوّنة والأشجار الباسقة التي تظلّل الحدائق الواسعة، فيما ينتصب قبرٌ متواضع يعلوه صرحٌ هرمي طُرّزت أعمدته الرخامية ورُصّعت بأبياتٍ شعرية ورباعيات دوّنها الخيّام في دواوينه المثيرة، لتلتقي في أعلى الهرم قبةٌ مطرّزة بالحجر الملوّن والكتابات الفارسية.

عند الضريح كانت هناك طفلةٌ جميلة ارتدت ملابس تحاكي زمن العهد الشاهنشاهي الذي كانت ترتديه نساء ذلك الزمن، وتحمل بين يديها آلة «البُزُق» القريبة الشبه من آلة العود.

كانت تجلس عند سلالم الضريح، وإلى جانبها إبريقٌ كان الخيّام يتخذه رمزاً للنشوة والشراب الذي يمدّه بالإلهام، وهي تعزف عزفاً جميلاً وتغنّي أبياتاً شعرية لها وقعٌ عميق في النفوس.

جلستُ بقربها أستمع إلى الغناء الإيراني القديم، الذي كان يلامس أنياط القلب وأنفاس الروح، لما فيه من صورٍ تتناغم مع حفيف الريح وهبوب النسائم، وزقزقة الطيور التي ضجّ بها المكان.

هكذا رأيت كيف تحتفي الأمم والشعوب بأدبائها وكتّابها ومفكريها.

غادرتُ المكان بعدما اقتنيت ديوان الخيّام الكبير، الذي يضم رباعياته الخالدة.



إقرأ المزيد