هذا اليوم - 1/14/2026 7:18:22 AM - GMT (+3 )
بغداد اليوم – بغداد كلّما ارتفع منسوب التهديدات الأمريكية ضدّ إيران، يعود العراق إلى موقعه الحرج على خريطة الأزمات، بلد لا يملك ترف الوقوف بعيدًا ولا القدرة على تحمّل صدمة كبرى جديدة. ومع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى لغة "الخطوط الحمر" و"الخيارات القوية للغاية"، يتجدّد السؤال في بغداد: ماذا لو تحوّلت هذه التهديدات هذه المرّة إلى ضربة عسكرية واسعة، وكيف سينعكس ذلك على بلد ما يزال يعيش آثار حروب الغير على أرضه منذ عقدين؟ هذه العودة إلى حافة التصعيد لم تأتِ من فراغ؛ ففي مقابلة تلفزيونية أخيرة مع مراسلة قناة "سي إن إن"، ظهر ترامب وهو يلوّح مجدّدًا بالخيار العسكري، معتبرًا أنّ "إيران بدأت تتجاوز الخط الأحمر" الذي وضعه، ومؤكدًا أنّه يتلقّى "تحديثات كل ساعة" عمّا يجري في الشارع الإيراني، وأنّ الجيش "يدرس خيارات قوية للغاية" سيرتّب عليها قرارًا في "وقت قريب". بالتوازي، صعّد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام لهجته حين قال إنّ "الليلة قد تكون الليلة المنشودة، وإنّ المسألة مسألة وقت فقط"، في خطاب يعكس مزاجًا سياسيًا داخل جزء من المؤسسة الأمريكية يرى في لحظة الاحتجاجات فرصة للذهاب أبعد في المواجهة مع طهران، ولو كان ذلك على حساب استقرار دول الجوار، وفي مقدّمتها العراق. الصورة تصبح أكثر حساسية إذا ما قُرئت في ضوء سجلّ ترامب نفسه؛ فالرئيس الذي يهدّد اليوم بضرب إيران، يحمل في رصيده مسارًا تصاعديًا في استخدام القوة ضدّها عبر ولايتين. في ولايته الأولى، أمر باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني قرب مطار بغداد، في واحدة من أكثر الضربات إثارة للجدل في مرحلة ما بعد 2003، ضربة وجّهت رسالة صريحة لطهران بأنّ رموزها العسكرية الأرفع لم تعد خارج دائرة الاستهداف. ومع عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، شهدت المنطقة حربًا إسرائيلية واسعة على إيران جرت تحت غطاء سياسي وعسكري أمريكي واضح، قبل أن يأمر ترامب نفسه بقصف مباشر لمواقع ومنشآت إيرانية حسّاسة داخل البلاد، في خطوة نقلت الصراع من "حرب بالوكالة" إلى مستوى مواجهة مكشوفة مع البنية الإستراتيجية الإيرانية. وخارج المسرح الإيراني المباشر، أكمل ترامب هذا المسار بعملية غير مسبوقة في فنزويلا، انتهت بالسيطرة على مفاصل الدولة واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو بضربة مركّزة من دون دخول بري تقليدي واسع النطاق، في نموذج أظهر تفضيله للعمليات الخاطفة عالية الدقة على الحروب الطويلة والمفتوحة. عند هذه النقطة، يصبح من الصعب التعامل مع خطاب التهديد الحالي بوصفه مجرّد ضغط إعلامي؛ فالعراق والمنطقة أمام رئيس أثبت عمليًا أنّه مستعد للانتقال من الكلام إلى الفعل حين يعتقد أنّ ميزان القوى يسمح بذلك. عراق بين نفوذين: لماذا يتأثّر أولًا بأي ضربة ضدّ إيران؟ العراق ليس مجرّد دولة مجاورة لإيران على الخريطة، بل عقدة تماس حقيقية بين مشروعين؛ وجود عسكري وسياسي واقتصادي أمريكي متجذّر عبر قواعد ومستشارين وشراكات متعددة، وحضور إيراني عميق عبر أحزاب وفصائل وشبكات مصالح تمتدّ من القرار السياسي إلى الشارع المحلي. الخبير في الشؤون الإستراتيجية علي الناصر يحذّر في حديث لـ"بغداد اليوم" من هذا الموقع الحرج، قائلًا إنّه "يجب الحذر من خطورة أي تصعيد عسكري أمريكي محتمل ضدّ إيران، فمثل هذا السيناريو لن يقتصر تأثيره على طرفَي الصراع فحسب، بل ستكون له تداعيات خطيرة ومباشرة على العراق والمنطقة بأسرها"، موضّحًا أنّ "العراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية فيه، يعدّ من أكثر الدول تأثّرًا بأي مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإيران، والأراضي العراقية قد تتحوّل إلى ساحة صراع غير مباشر". هذا التحذير يجد ما يدعمه في ثلاثة مسارات متداخلة؛ أمنية واقتصادية وسياسية، تجعل من أي ضربة واسعة لإيران بداية سلسلة ارتدادات على الداخل العراقي يصعب ضبط إيقاعها. على المستوى الأمني، وجود قواعد وقوات أمريكية في الأنبار وأربيل ومواقع أخرى يحوّل هذه النقاط تلقائيًا إلى أهداف مفضّلة لردّ غير مباشر من قبل طهران أو حلفائها، سواء عبر صواريخ ومسيّرات أو عبر عمليات استهداف من داخل الساحة العراقية، بما يعيد مشاهد السنوات الماضية عندما تحوّلت الأراضي العراقية إلى منصّة لتبادل الرسائل النارية بين واشنطن وطهران، مع ما يرافق ذلك من تهديد لحركة الطيران والاستثمار والأنشطة الاقتصادية في محيط تلك القواعد. وعلى المستوى الاقتصادي، يعتمد العراق بشكل شبه كامل على صادرات النفط، في وقت تُعدّ فيه المنطقة الممتدّة من الخليج إلى مضيق هرمز وحتى شرق المتوسط من أكثر خطوط الطاقة حساسية في العالم. أي مواجهة واسعة قد ترفع كلفة التأمين على الناقلات، وتزيد من احتمالات تعطل جزء من التصدير أو تهديد البنى التحتية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الموازنة العامة وسوق الصرف وثقة المستثمرين. الناصر يشير إلى أنّ "أي تصعيد عسكري سيؤدي إلى اضطراب الوضع الأمني الداخلي، وزيادة احتمالات استهداف القواعد والمنشآت، فضلًا عن التأثير السلبي على الاقتصاد العراقي، ولا سيّما قطاع الطاقة والاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى ارتفاع مخاطر تعطل سلاسل الإمداد والتجارة". أمّا على المستوى السياسي – المجتمعي، فإنّ هشاشة التوازنات الداخلية بين قوى متباينة الاتجاه في نظرتها إلى واشنطن وطهران تجعل من أي تصعيد عسكري بوابة إلى استقطاب حاد داخل الطبقة السياسية والشارع معًا؛ جزء من النخبة يميل إلى خطاب الاصطفاف الكامل مع محور "المقاومة" ضدّ الولايات المتحدة، وجزء آخر يرى أنّ الحفاظ على علاقات عمل مع واشنطن ضرورة لتجنّب العقوبات والانهيارات الاقتصادية والأمنية، وبينهما حكومة تحاول إعلان سياسة "توازن" في الخطاب بينما تُختبر قدرتها على تجسيد ذلك عمليًا في أكثر اللحظات تعقيدًا. الناصر يترجم هذه المخاوف بالقول إنّ "التصعيد قد يفاقم الانقسامات السياسية الداخلية، ويضع الحكومة العراقية أمام تحدّيات كبيرة في الحفاظ على سياسة التوازن والعلاقات الدبلوماسية مع مختلف الأطراف، والعراق لا يحتمل الدخول في محور صراع جديد أو دفع أثمان صراعات إقليمية لا تخدم مصالح شعبه"، في إشارة إلى أنّ معركة المحاور ليست ترفًا نظريًا في بلد لم يلتقط أنفاسه بعد من أزمات الاحتلال والإرهاب والطائفية والفساد. بنية النظام الإيراني: بين أيديولوجيا الصراع وحدود التغيير من الداخل بعيدًا عن لحظة الضربة نفسها، يقف سؤال أعمق يتعلّق بطبيعة النظام في طهران؛ هل يمتلك قابلية حقيقية لتغيير طريقة حكمه وسلوكه الإقليمي بما يقلّل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، أم أنّ بنيته الأيديولوجية تدفعه بصورة شبه تلقائية إلى إعادة إنتاج منطق الصراع في كل دورة توتّر جديدة؟ الجمهورية الإسلامية تشكّلت منذ 1979 على سردية تحالف بين ولاية الفقيه، وفكرة "الثورة المستمرة" ضدّ ما تصفه بالاستكبار العالمي، وحضور نشط عبر حلفاء ووكلاء في الإقليم من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن. هذه العناصر ليست تفصيلات في برنامج حكومة يمكن استبدالها بقرارات مرحلية، بل جزء من تعريف النظام لنفسه أمام قاعدته الداخلية، وأي تخلٍّ جوهري عنها يبدو – في منطق النواة الصلبة للحكم – مساسًا بشرعية المشروع ككل. مع ذلك، أظهرت تجربة الاتفاق النووي مع إدارة باراك أوباما أنّ النظام قادر على مرونة تكتيكية عندما تبلغ العقوبات الاقتصادية مستوى يهدّد استقرار الداخل؛ جرى حينها القبول بتجميد أجزاء من البرنامج النووي مقابل تخفيف عقوبات وفتح محدود للنوافذ الاقتصادية، غير أنّ انسحاب إدارة ترامب لاحقًا من الاتفاق أعطى التيار المتشدّد في طهران مادّة سياسية يستخدمها حتى اليوم لإثبات أنّ "التنازل لا يحمي من التصعيد"، وأنّ أي صفقة مع واشنطن قابلة للإلغاء بتوقيع رئيس أمريكي جديد، وهو ما قلّص عمليًا هامش التيار البراغماتي وعزّز حضور الخطاب الأكثر تصلّبًا في مراكز القرار. الاحتجاجات المتكرّرة التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية، بخلفيات اقتصادية ومطلبية وسياسية، كشفت عن مجتمع يتغيّر بوتيرة أسرع من بنية النظام؛ أجيال شابّة أقل حماسًا لشعارات الصراع المفتوح وأكثر انشغالًا بسؤال الاقتصاد والحريات، غير أنّ الردّ الرسمي ظلّ، في أغلب الأحيان، أمنيًا أكثر منه سياسيًا، ما يعكس تفضيل النواة الحاكمة لإدارة الأزمة بدل إعادة تعريف قواعد اللعبة. هذا يعني أنّ أي تغيير بنيوي عميق في طريقة الحكم أو في فلسفة السياسة الإقليمية يبدو، في المدى المنظور، احتمالًا ضعيفًا من داخل البنية الحالية من دون صدمات داخلية أوسع وأعمق بكثير. من التفاهمات الجزئية إلى التطبيع المستبعد: شكل العلاقة الممكنة مع واشنطن وتل أبيب عند النظر إلى مستقبل العلاقة بين طهران وواشنطن، يمكن التمييز بين مستويات مختلفة من "التغيير" المحتمل؛ فالتفاهمات الجزئية أو الهدن المؤقتة ليست أمرًا مستبعدًا، بل جُرّبت في الاتفاق النووي السابق، ويمكن أن تعود بصيغ جديدة إذا وصل الطرفان إلى قناعة بأنّ كلفة المواجهة المفتوحة أعلى من كلفة التسويات المحدودة، سواء عبر تجميد مستوى التخصيب النووي مقابل تخفيف عقوبات محددة، أو عبر تفاهمات أمنية في ملفات إقليمية بعينها. لكنّ الانتقال من هذا المستوى إلى مستوى تطبيع شامل أو تحالف إستراتيجي بين إيران والولايات المتحدة يصطدم بواقع أنّ جزءًا كبيرًا من خطاب النظام وشرعيته قائم على رفض ما يصفه بالهيمنة الأمريكية، وعلى تقديم نفسه بوصفه قيادة معسكر مناهض للسياسات الغربية في المنطقة، الأمر الذي يجعل أي "مصافحة تاريخية" مع واشنطن، من النوع الذي شهدته المنطقة بين بعض العواصم العربية والولايات المتحدة، احتمالًا ضعيفًا في ظلّ تركيبة الحكم الحالية، إلا إذا رافقته تغييرات داخلية عميقة في بنية السلطة والنخبة الحاكمة. أمّا على مستوى العلاقة مع إسرائيل، فإنّ احتمال الانتقال من حالة العداء المعلن إلى اعتراف أو تطبيع يكاد يكون منعدمًا في المدى المنظور؛ فدعم حركات مقاومة إسرائيلية وعربية، من لبنان إلى فلسطين، جزء من تعريف إيران لنفسها في الإقليم، وأي تغيير جذري في هذا الموقف لا يعني فقط تعديل سياسة خارجية، بل إعادة كتابة رواية عشرات السنين أمام الداخل والخارج، وهو أمر لا توجد مؤشّرات جدية عليه حتى الآن. بين لغة "الخطوط الحمر" وواقع الكلفة: هل الحرب حتمية؟ سجلّ ترامب في ولايتيه، الأولى والثانية، إلى جانب لغته الحالية، يعطي انطباعًا بأنّ اللجوء إلى القوة ليس مجرّد ورقة تفاوضية في يده، بل خيار استخدمه بالفعل في لحظات اعتبرها مناسبة؛ اغتيال سليماني في بغداد، دعم حرب إسرائيلية واسعة على إيران، قصف مباشر لمنشآت حسّاسة داخل الأراضي الإيرانية، وعملية مركّبة في فنزويلا انتهت باعتقال رئيس الدولة من دون حرب برية واسعة. لكن تحويل التهديدات الجديدة إلى حرب شاملة ضدّ إيران يبقى قرارًا يتجاوز نزعة رئيس واحد إلى حسابات مؤسسات أمريكية وتحالفات دولية، في ظلّ إدراك عام بأنّ إشعال مواجهة من هذا النوع سيصيب أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي والمنظومة المالية العالمية بارتدادات قد تكون مكلفة أكثر من مكاسبها السياسية. التجربة الطويلة للعلاقة بين واشنطن وطهران تكشف نمطًا مكرّرًا؛ تهديدات عالية السقف، عقوبات اقتصادية قاسية، عمليات محدودة؛ اغتيالات نوعية، ضربات سيبرانية أو عسكرية مركّزة، ثم عودة إلى نوع من "الاستقرار المتوتّر" من دون حرب شاملة. هذا لا يلغي احتمال ضربة كبيرة للمنشآت النووية إذا رأت إدارة أمريكية متشدّدة أنّ البرنامج الإيراني يقترب من عتبة لا يمكن التسامح معها، لكنّه يعني في الوقت نفسه أنّ خيار الحرب المفتوحة ما يزال محكومًا بعامل الكلفة، لا بالرغبة وحدها. من زاوية عراقية، ما يقوله علي الناصر يبدو أقرب إلى خلاصة ضرورية؛ إذ يؤكّد أنّ "الحلول العسكرية لن تؤدي إلا إلى توسيع دائرة العنف وعدم الاستقرار، ولهذا على جميع الأطراف تغليب لغة الحوار والاحتكام إلى القنوات الدبلوماسية، واحترام سيادة الدول، والعمل على تحييد العراق عن أي مواجهة إقليمية، خاصة أنّ مصلحة العراق العليا تكمن في الاستقرار، وبناء علاقات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة"، وهي معادلة تبدو سهلة على الورق، لكنها تحتاج في الواقع إلى قرار سياسي شجاع بعدم تحويل البلاد مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات. عراق في ممرّ ضيّق: ما الذي يمكن فعله قبل العاصفة؟ إذا تحوّلت تهديدات ترامب أو أي إدارة أمريكية مقبلة إلى ضربة فعلية واسعة ضدّ إيران، فإنّ العراق سيكون واحدًا من أكثر المتضرّرين، حتى لو لم يطلق رصاصة واحدة؛ سيتعرّض لضغط أمني على قواعد ومنشآت، ولارتباك اقتصادي في سوق يعتمد على النفط وحده تقريبًا، وللاستقطاب سياسي في نظام لم ينجح بعد في بناء تماسك داخلي مستقر. وإذا نجحت القنوات الدبلوماسية في إبقاء المواجهة عند حدود الضغوط والعقوبات والضربات المحدودة، فسيظلّ العراق معرّضًا لهزّات متكرّرة، لكنّه قد يتجنّب الانزلاق إلى قلب حرب شاملة تعيد فتح جراح لم تلتئم بعد. بين هذين السيناريوهين، لا يملك العراق قدرة تغيير مسار الصراع بين واشنطن وطهران، لكنه يملك، نظريًا، فرصة الدفاع عن مصلحته العليا؛ عدم الانخراط في محور على حساب آخر، والتمسّك بسياسة واقعية تعترف بميزان القوى لكنها لا تقبل أن يكون دم العراقيين واقتصادهم وقودًا دائمًا لحروب الغير، وهي خلاصة يحاول صوت مثل علي الناصر أن يضعها في قلب النقاش، قبل أن تتحوّل التحذيرات إلى وقائع على الأرض يصعب التراجع عنها. تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
إقرأ المزيد


