ضرورة التكيّف لاتعني التخلي عن حلم الشعب الكردي- د. نزهت حالي
الزمان -

د. نزهت حالي

الشعب الكردي هو أكبر أمة بلا دولة، ووجود الدولة حق طبيعي، كما أن حق تقرير المصير للشعوب مذكور ومُعترف به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأنا على يقين أنه لو أُجري استفتاء حر في أي جزء من كردستان، بدعم وإشراف المجتمع الدولي والأمم المتحدة، فإن غالبية الشعب الكردي ستصوّت لصالح الاستقلال.

السبب الرئيسي لمطالبة الشعب الكردي بالاستقلال يعود في جوهره إلى الحرية واستتباب الأمن له ولحماية وطنه، لأن الدولة هي الأداة الأقوى لحماية حرية وأمن أمة ما، ولا سيما الدولة المؤسسية الديمقراطية صاحب سيادة القانون والعقلانية الاستراتيجية، والتي يمكنها أداء هذه المهام على الوجه الصحيح.

فضلاً عن التمييز العرقي (ethnic discrimination)، ثمة سببان آخران لرغبة الكرد في تأسيس دولتهم المستقلة، وهما المشاركة السياسية والرفاه الاقتصادي. فمن الناحية الجغرافية، يقع المواطنون الكرد في الغالب على الحدود وأطراف الدول، ولذلك حُرموا من المشاركة الحقيقية والعادلة في الحكم السياسي وفي مراكز اتخاذ القرار وفي العواصم. وقد أدت سياسة التمييز المتعمد والتهميش عن المركز إلى حرمان المناطق الكردية إلى حد كبير من الدعم المالي والاقتصادي والتنمي،. لذلك الكرد يريد ان لا يكون في الهامش بل يكون في مركز دولته.

وثمة سبب آخر للمطالبة بالدولة يرتبط بطبيعة الإنسان والمجتمعات، ولا سيما في عصر ثورة المعرفة ووعي الشعوب، ويتمثل في مقارنة الأفراد والمجتمعات أنفسهم بغيرهم. فالشعب الكردي يقارن نفسه بالأمم الأخرى، ويتساءل كثيرون أنفسهم: إذا كان وجود الدولة أمرا سيئا، فلماذا تمتلكه الأمم الأخرى؟ وإن كان أمرا حسنا، فلماذا نحن الكرد يُحرم منه؟

من سوء حظ الكرد أنهم عاشوا في منطقة وضمن دول كانت غالبية أنظمتها السياسية دكتاتورية واستبدادية، ولذلك ترسّخت فكرة إقامة دولة قومية للكرد بوصفها الأداة الأساسية لحماية الحياة والحرية والأمن في فكرهم ووجدانهم، لأن معظم تلك الدول، بدل أن تكون أداة لضمان الحرية والأمن والرفاه، في كثير من الأحيان كانوا مصدر تهديد وإبادة جماعية وتجويع بحق الكرد.

ولحسن الحظ، لا يستطيع المستبدون البقاء في السلطة إلى الأبد. يقول المفكر الأمريكي جين شارب (Gene Sharp) “إن بقاء الديكتاتور ليس بسبب امتلاكه قوة أو شخصية استثنائية، بل بسبب خوف وغياب موقف لغالبية الناس الذين يعيشون تحت حكمه. وعندما يتغلب الناس على خوفهم وغياب موقفهم ولا يصبحون أدوات طيّعة لمطالب الديكتاتور، تنتهي حكم دكتاتوريته”.

وكان الشعب الكردي دائمًا شعبًا محبًا للحرية، ووقف باستمرار في وجه الديكتاتوريات.

إن نماذج محمد رضا بهلوي شاه إيران، وصدام حسين في العراق، وعلي عبد الله صالح في اليمن، وزين العابدين بن علي في تونس، والقذافي في ليبيا، والأسد في سوريا، تؤكد الحقيقة التي ذكرها مارسيل ديرسوس في كتابه كيف يسقط الطغاةMarcel Dirsus (How tyrants fall) ، حيث يقول:

“إن أقوى الطغاة في العالم محكومون بحياة مليئة بالمخاطر على الأرض، يمكنهم بضغطة إصبع أن يقضوا على أعداءهم. هم وأُسرهم والمقرّبون منهم قد يستطيعون من داخل قصورهم السيطرة على بلدانهم بأكملها، لكنهم في كل تلك الساعات يعيشون وهم على وعي دائم بخطر فقدان كل شيء. عندئذٍ لا يهمّ كم هم أقوياء، فهم لا يستطيعون بالمال ولا بالأوامر أن يقضوا على هذا الخوف. وإذا ارتكب هؤلاء الطغاة خطوة واحدة خاطئة فإنهم يسقطون. وحين يسقط الطاغية فإن مصيره يكون المنفى، أو السجن، أو الموت تحت التراب.

 إذا كان تأسيس الدولة قائمًا على الحقوق والعدالة والقدرة على الإدارة الذاتية، فإن المطالبة بالدولة حق مشروع للشعب الكردي. غير أن الواقع السياسي الدولي والإقليمي والجغرافيا القسرية ومصالح وقرارات القوى العظمى، تلعب اليوم الدور الحاسم في قيام الدول للأمم المضطهدة. ومع ذلك فإن الوحدة وحكمة القيادات السياسية، والنضال السياسي العقلاني، يمكن أن تمكّن الشعوب المحبة للحرية من تجاوز كثير من العقبات.

وعلى الرغم من أن سقوط الدكتاتوريات يُعد مؤشرًا مبشرا للكرد ولسائر المكونات الأخرى في المنطقة للمشاركة السياسية وحماية الحقوق، إلا أن التجربة أثبتت أن سقوط الدكتاتور وحده غير كافٍ ولا يضمن حقوق جميع المكونات. فما نشهده في العراق الفيدرالي يوضح أن مشكلات المناطق الكردستانية خارج الإقليم وحتى الأزمات المالية داخل الإقليم ومواطنيه ما زالت دون حل. وبالمثل فإن الشعب الكردي لا يزال في سوريا يعيش مرحلة بالغة الخطورة بعد انهيار النظام الدكتاتوري.

نظراً لهذه الأسباب كلها لا بد أن يحلم الكرد بدولتهم وأن يعملوا من أجلها، غير أن الأمر يتوقف أيضًا على الأمم الأخرى، إلى أي مدى يمكن، من خلال ضمان حقوق هذا الشعب المظلوم، المحبّ للسلام والحرية، وبإشراكه في الحكم وفي صنع القرار السياسي وفي خيرات البلاد، الإبقاء على الشعب الكردي ضمن إطارهم؟ إن اضعاف مطالبة الكرد بالاستقلال سيكون عن طريق المساواة والأخوة ومنح الحقوق لا بالقوة ، وما يهمّ الشعب الكردي أيضا هو أن تتوافر له فرصة العيش المشترك السلمي داخل الدول التي يعيش فيها، ومن المهم أن تُستثمر هذه الفرصة وأن يجري التكيّف معها وفقًا لواقعهم السياسي.

إن النقطة المهمة في حماية شعبنا تقع على عاتق النخب السياسية والفكرية، عبر توحيد الموقف والعمل المشترك لتحقيق الأهداف القومية، وأيضا الابتعاد عن التطرف القومي والمغامرة غير المدروسة. لأن المغامرة تختلف كثيرا عن اغتنام الفرص، فإذا كانت المغامرة غير المدروسة تشكّل خطرا على الدول المستقبلة، فإنه قد يكون كارثيا على الشعب الكردي الذي لا يمتلك دولة مستقلة. وكذلك فإن الخطر الكامن في أي فكرة أو أيديولوجيا يتمثل في نسختها المتطرفة، فالتطرف القومي تنتهي الى الفاشية. ولذلك يتعيّن على الشعب الكردي المحبّ للحرية أن يبتعد عن هذين الأمرين معًا، كي يتمكّن من العيش في هذه المنطقة مع الشعوب الأخرى بسعادة وسلام.



إقرأ المزيد