الزمان - 1/2/2026 1:11:56 PM - GMT (+3 )
حسن الوزان
تأتي المجموعة القصصية “أنفاس على هامش الزمن” كعمل سردي هادئ وعميق في آن يراهن على بناء عالم إنساني هشّ مأهول بأسئلة الوجود اليومية التي نمرّ بها دون أن ننتبه إلى حدّتها. يكتب نور الدين طاهري سردا متوترا من الهامش باعتباره زاوية رؤية يسمح للكاتب أن يرى أبعد ما تسمح به الرؤية وسط الضجيج، فما يجمع نصوص هذه المجموعة هو وحدة الحساسية: حساسية تجاه الزمن، تجاه الفقد، تجاه العلاقات الإنسانية المثقلة بالصمت، وتجاه الكائن البشري وهو يختبر هشاشته القصوى في لحظات عادية ظاهريًا. هنا لا نجد أبطالًا خارقين ولا أحداثًا كبرى، بقدر ما نجد شخصيات تشبهنا، تمشي إلى جوارنا، تخطئ، تخاف وتجعلنا نتأمل حياتنا كما لو ننظر إليها للمرة الأولى.
يبني طاهري لغة سردية مقتصدة، مشذّبة، مشبعة بدلالات خفية، تترك مساحات بيضاء داخل النص، فراغات مقصودة، ليصبح فعل القراءة امتدادًا لفعل الكتابة لا استهلاكًا لها. لذلك تبدو القصص كما لو أنها تمارس لعبة واعية مع الزمن السردي.
تشتغل هذه النصوص على اليومي بتأمل يقترب من القضايا التي ترتسم على حدود حقول معرفية ورمزية عميقة، وعلى الذاكرة كجرح مفتوح. وما يهيمن في هذه المجموعة القصصية هو الفقد – بمختلف تجلياته – نجده حاضرا بقوة: فقد الأشخاص، فقد اليقين، وحتى فقد اللغة نفسها أحيانًا. غير أن هذا الحضور لا يتحول إلى بكائية، بقدر ما يحوله الكاتب إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة، كتابة تُصرّ على الشهادة.
ما يميز هذه المجموعة أيضًا هو قدرتها على التقاط اللحظات الصغيرة: نظرة عابرة، جملة ناقصة، حركة جسد أو صمت ثقيل. من هذه التفاصيل الدقيقة تُبنى الدراما الداخلية للنص، تضعنا أمام كتابة تعرف أن أقسى التحولات تحدث في الداخل بدون شهود.
تمثل هذه المجموعة القصصية انتقالا متفردا في مسار الكاتب نور الدين طاهري، لا على مستوى نحته لصوته السردي الخاص ولا على مستوى الرؤيا، إذ تشكل مجموعة “أنفاس على هامش الزمن” دعوة للتأمل تنحاز للإنساني في أكثر لحظاته هشاشة، وتراهن على أن الأدب، حين يكون صادقًا، لا يقدّم أجوبة، بل يفتح أسئلة تظل معنا طويلًا بعد إغلاق الكتاب.
إقرأ المزيد


